الخطيب الشربيني

511

تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير )

فيها بوجه وأنها ظليلة معتدلة دائما بخلاف الدنيا ، فإنّ فيها الحاجة إلى ذلك ، والحرّ والبرد فيها من فيح جهنم ، قال رسول الله صلى اللّه عليه وسلم : « اشتكت النار إلى ربها قالت : يا رب أكل بعضي بعضا فجعل لها نفسين نفسا في الشتاء ونفسا في الصيف فشدة ما تجدونه من البرد من زمهريرها وشدة ما تجدونه من الحرّ من سمومها » « 1 » وقيل : الزمهرير القمر بلغة طيىء ، وأنشدوا « 2 » : وليلة ظلامها قد اعتكر * قطعتها والزمهرير ما زهر ويروى ما ظهر . وَدانِيَةً أي : قريبة مع الارتفاع عَلَيْهِمْ ظِلالُها أي : شجرها من غير أن يحصل منها ما يزيل الاعتدال . واختلف في نصب دانية ، فقال البغوي : عطف على متكئين . وقال الجلال المحلي : عطف على محل لا يرون وذكره البغوي بعد الأوّل بصيغة قيل ، قال البيضاوي : أو عطف على جنة أي : وجنة أخرى دانية لأنهم وعدوا جنتين لقوله تعالى : وَلِمَنْ خافَ مَقامَ رَبِّهِ جَنَّتانِ [ الرحمن : 46 ] . فإن قيل : إن الظل إنما يوجد حيث توجد الشمس ، والجنة لا شمس فيها فكيف يحصل الظل ؟ أجيب : بأنّ أشجار الجنة تكون بحيث لو كان هناك شمس لكانت تلك الأشجار مظلة منها ، وإن كان لا شمس ولا قمر كما أن أمشاطهم الذهب والفضة وإن كان لا وسخ ولا شعث . وَذُلِّلَتْ قُطُوفُها جمع قطف بالكسر وهو العنقود واسم للثمار المقطوفة أي : المجنية تَذْلِيلًا أي : سهل تناولها تسهيلا عظيما لا يردّ اليد عنها بعد ولا شوك لكل من يريد أخذها على أي حالة كانت من اتكاء وغيره ، فإن كانوا قعودا أو مضطجعين تدلت إليهم ، وإن كانوا قياما وكانت على الأرض ارتفعت إليهم ، وقال البراء : ذللت لهم فهم يتناولون منها كيف شاؤوا ، فمن أكل قائما لم يؤذه ومن أكل جالسا لم يؤذه ومن أكل مضطجعا لم يؤذه ، وهذا جزاؤهم على ما كانوا يذللون أنفسهم لأمر الله تعالى . ولما وصف تعالى طعامهم ولباسهم وسكنهم وصف شرابهم بقوله تعالى : وَيُطافُ أي : من أي طائف كان لكثرة الخدم عَلَيْهِمْ بِآنِيَةٍ جمع إناء كسقاء وأسقية وجمع الآنية أوان وهي ظروف للمياه ومعنى يطاف أي : يدور على هؤلاء الأبرار الخدم إذا أرادوا الشرب . ثم بين تلك الآنية بقوله تعالى : مِنْ فِضَّةٍ قال ابن عباس رضي الله عنهما : ليس في الدنيا شيء مما في الجنة إلا الأسماء أي : الذي في الجنة أشرف وأعلى ولم ينف الآنية الذهبية بل المعنى : يسقون في الأواني الفضة وقد يسقون في الأواني الذهب كما قال تعالى : سَرابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ [ النحل : 81 ] أي : والبرد فنبه بذكر أحدهما على الآخر . ولما جمع الآنية خص فقال تعالى وَأَكْوابٍ جمع كوب ، وهو كوز لا عروة له فيسهل الشرب منه من كل موضع فلا يحتاج عند التناول إلى إدارة كانَتْ أي : تلك الأكواب كونا هو من جبلتها قَوارِيرَ أي : كانت بصفة القوارير من الصفاء والرقة والشفوف والإشراق ، جمع

--> ( 1 ) أخرجه البخاري في بدء الخلق حديث 3260 ، ومسلم في المساجد حديث 617 ، والترمذي في جهنم حديث 2592 ، وابن ماجة في الزهد حديث 4319 . ( 2 ) الرجز لم أجده في المصادر والمراجع التي بين يدي .